ابن تيميه
227
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [ سبأ : 23 ] فحينئذ يعلمون ما قضى به « 1 » . فكيف يشفعون بدون إذنه . قال اللّه تعالى : بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [ الأنبياء : 26 ، 27 ] وقال : أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أَ وَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً [ الزمر : 43 ] الآية . وأوجه الشفعاء وأول شافع يوم القيامة محمد صلى اللّه عليه وسلّم ، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أحاديث الشفاعة أن الناس يوم القيامة إذا ذهبوا إلى آدم ليشفع لهم يردهم إلى نوح ، ونوح إلى إبراهيم ، وإبراهيم إلى موسى ، وموسى إلى المسيح ، والمسيح إلى محمد صلى اللّه عليهم أجمعين ، فيقول : اذهبوا إلى محمد فإنه عبد غفر له اللّه ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر ، قال صلى اللّه عليه وسلّم : « فيأتوني فأذهب إلى ربي فإذا رأيت ربّي خررت ساجدا ، وأحمد ربي بمحامد يفتحها عليّ لا أحسنها الآن ، وحينئذ فيقول تعالى : أي محمد ارفع رأسك وقل يسمع ، وسل تعطه ، واشفع تشفّع ، قال : فأقول : أي ربّ أمتي فيحدّ لي حدا فأدخلهم الجنة » « 2 » . وكذلك ذكر في الثانية والثالثة وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قلت : « يا رسول اللّه من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة ؟ فقال صلى اللّه عليه وسلّم : يا أبا هريرة ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أولى منك ، لما رأيت من حرصك على الحديث ، أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا اللّه خالصا من قلبه » « 3 » . فقد بيّن أوجه الشفعاء أنه إذا أتى يبدأ بالسجود للّه والحمد للّه ، لا يبدأ بالشفاعة حتى يؤذن له ، فإذا أذن له فحينئذ يشفع ، فإذا شفع حدّ له حدا فيدخلهم الجنة . وبيّن أن أولى الناس بشفاعته من كان أعظم إخلاصا وتوحيدا لا من كان سائلا وطالبا منه أو من غيره ، فالأمر كله للّه وحده لا شريك له ، هو الذي يأذن في الشفاعة وهو الذي يقبل شفاعة الشفيع فيمن يختار ، فربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة ، سبحان اللّه وتعالى عما يشركون . فالذين يخالفون شريعة الأنبياء ويغلون فيهم ويقولون إنهم يحبونهم ويوالونهم ويعظمونهم بذلك ؛ فالأنبياء يتبرّءون منهم ، ومحمد صلى اللّه عليه وسلّم بريء من عمل من يخالف أمره وسنّته ، قال اللّه تعالى : فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ [ الشعراء : 216 ] ولا ينفع من عصى الرسول أن يقول : قصدي تعظيمهم ، فإنه إنما أمر بطاعتهم ، ولم يؤمر أن يعبد اللّه بالظن وما تهوى الأنفس ، قال اللّه تعالى : وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ إلى قوله : شَهِيدٌ [ المائدة : 116 ، 117 ] . فقد أخبر أنه لم يقل لهم إلا ما أمره اللّه به ؛ أن يعبدوا اللّه وحده ، وكذلك سائر الأنبياء ، قال اللّه تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ
--> ( 1 ) كما في « صحيح البخاري » ( 4701 ، 4800 ، 7481 ) من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه . ( 2 ) تقدم ( 3 ) أخرجه البخاري ( 99 ، 6570 ) .